Type Here to Get Search Results !

فيروس كورونا - ورحلة العلم في القضاء عليه

فيروس كورونا، ورحلة العلم للقضاء على فيروس عمره أكثر من 10 آلاف سنة


كوفيد-19 COVID-19


بقلم محمد حسونة - باحث مصري في علم الخلايا الجذعية.

في عام 2013 ظهر فيروس له اعراض مثل اعراض الانفلونزا الموسمية في دول الخليج العربي، وبالأخص في السعودية والإمارات، ولكنه على عكس الانفلونزا، فقد تطورت أعراضه إلى حد الضيق في التنفس حتى الفشل الكلوي، وقد اكتشف العلماء أن هذا الفايروس هو فيروس كورونا الذي اصاب آسيا وبالأخص الصين في عام 2003 في ما عرف بفايروس كورونا ( السارس ) SARS Corona Virus، أما الفيروس الذي ظهر في الخليج العربي فقد سمي بفيروس كورونا ( المتلازمة التنفسية الشرق أوسطية ) MERS Corona Virus، وهذا الأخير وإن كان ينتمي إلى فصيلة كورونا بصفة عامة، فإنه أكثر شراسة، إذ يسبب الفشل الكلوي في غضون 10 أيام فقط من الإصابة على عكس السارس الذي نادرا ما يسبب الفشل الكلوي، وأن أدى إلى ذلك فيطون في غضون ضعف المدة.

ولكنه وفي العام 2020 ظهر فيروس كورونا مجدداً، مبتدأً من الصين هذه المرة، وبالتحديد من منطقة تسمى هايتي، وهو أقوى وأشرس من سابقيه، بحيث غزا جميع دول العالم، وتسبب في وفاة الملايين ممن قد أصيبو بهذا الفيروس الذي أطلق عليه العلماء اللقب الجديد (كوفيد-19) COVID-19، وإلى الآن مازال البحث جارياً لإيجاد علاج لهذا الفيروس المميت، مع ظهور بعض أنواع المطاعيم الجديدة ضد هذا الوباء، ولكنه إلى الآن لم يصل إلى جميع أنحاء العالم.

والمثير في هذا الداء أنّ مصدره الحقيقي هو جسد الحيوان الذي كان بمنزلة معمل تطور فيه هذا الفيروس عبر آلاف السنين لينتقل أخيراً إلى الإنسان.


بداية ظهور الفيروس وتكوينه

في عام 2003 عكف العلماء على دراسة موسعة أتت بنتائج مذهلة وهي :

أولاً : أنّ فيروس كورونا منتشر في أنواع عديدة ومختلفة من الحيوانات.

ثانياً : أنّ عمر هذا الفيروس على هذا النحو يعود إلى 8100 سنة قبل الميلاد.

وقد وجد العلماء أنّ هذا الفيروس ينطوي على عشرات الأنواع المختلفة والتي تم تقسيمها إلى أربع مجموعات رئيسة، وهي :

  • مجموعة ألفا وبيتا الموجودة في الوطاويط.
  • مجموعة جاما ودلتا الموجودة في الطيور على مدى آلاف السنين.

ولا يعرف ما إذا كانت الطيور هي التي أصابت الوطاويط أم العكس، ويرجع عمر المجموعات ألفا وبيتا وجاما ودلتا على التوالي إلى أعوام ( 2400، 2300، 2800، 3000 ) قبل الميلاد، والمثير في الأمر أنّ هذه الطيور تسافر لمسافات طويلة ولديها قدرة هائلة على نقل الفيروسات لبعضها البعض، وبالتالي نقلها للإنسان.

ومن ثم فإنّ هذا الفيروس الذي أصاب الإنسان نابع من الوطاويط وبالتحديد من المجموعة بيتا، وفي العصر الحديث انتقل فيروس كورونا ( قبل المرة الأخيرة عام 2020 ) مرتين مابين الوطاويط والإنسان عبر وسيط حيواني؛ حيث انتقل ( السارس SARS ) عام 2003 عبر القطط والكلاب، وفي عام 2012 انتقل ( المتلازمة الشرق أوسطية التنفسية MERS ) عبر الجمال والماعز، ويقدر أنّ هذا الفيروس تطور في أجساد الجمال منذ عام 1992 أو حتى ما قبل ذلك، ولكنه لم يكتسب قدرة على اصابة البشر إلاّ في عام 2012.

وضمن المجموعة بيتا فقد تم تصنيف الفيروس إلى مجموعات أصغر هي ( أ، ب، ج ) حيث يصنف فيروس كورونا ( السارس ) كفيروس ( أ ) في المجموعة بيتا، في حين أن هناك فيروس كورونا المصنف ( ب ) في المجموعة نفسها وفيروس كورونا ( المتلازمة الشرق أوسطية التنفسية ) صنف في المجموعة ( ج ).


اكتشاف المرض عام 2013

في سبتمبر من عام 2013، أطلق الطبيب المصري علي محمد زكي بمستشفى سليمان فقيه في جدة في المملكة العربية السعودية الناقوس الأول لخطر الإصابة بمرض فيروس كورونا ( المتلازمة الشرق أوسطية التنفسية ) حين تشكك في وجود هذا الفيروس لدى واحد من مرضاه، ونبه إلى ضرورة دراسة هذه الحالة بتعمق واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة للحد من هذا الوباء، مما حفز العديد من الدراسات لهذا المرض وسبل الوقاية منه وعلاجه.

وبالفعل في نوفمبر من العام نفسه أعلنت منظمة الصحة العالمية خطر انتشار هذا الفيروس، وأجمع أكثر من 156 فريقاً علمياً على مستوى العالم على ظهور فيروس كورونا مجدداً، وكان قلقهم بالتحديد من انتشاره عبر مناسك الحج.

كما بينت الدراسات أن منطقة الحافا بالسعودية هي المنطقة الأصلية التي انطلق منها المرض إلى باقي المدن السعودية والدول المجاورة لها.

وقد كشفت الدراسات أن هناك أنواعاً عدة لفيروس كورونا في السعودية ، وعلى الأقل ثلاثة أنواع مختلفة من هذا الفيروس في الإمارات.

ومنذ بداية الإصابة بهذا المرض الذي رصد في أواخر العام 2013 حتى يناير عام 2014 سُجلت عالمياً 179 حالة، توفي منها 76 مريضاً، توزيعهم الجغرافي كالآتي : 2 في الأردن، 9 في قطر، 12 في الإمارات، 3 في تونس، 3 في عُمان، 2 في الكويت، 3 في انجلترا، 2 في فرنسا، 1 في ايطاليا، و 142 مريضاً في السعودية، هذا بالإضافة إلى ظهور بعض الحالات الضئيلة في مصر.


كيف تطور الفيروس في الحيوان وأصاب الإنسان ؟

تتطلب الإجابة عن هذا السؤال عرضاً مبسطاً لنتائج الألحاث العلمية في هذا الصدد، وفهماً لآليات عمل فيروس كورونا.

ونبدأ بتعريفه :

هو عبارة عن فيروس يحمل شيفرة وراثية من نوع RNA، وقد لوحظ أنّ حجمه هو الأكبر بالنسبة لأقرانه من الفيروسات، كما لوحظ أيضاً أنّ لدى هذا الفيروس الكثير من آليات التطور التي تسمح له بأن يصيب أنواعاً شتى من الحيوانات وأن يفلت من نظامها المناعي، بل من الممكن وجود نوعين أو أكثر لفيروس كورونا في الجسد نفسه المصاب به، وعندما يصيب نوعان مختلفان من الفيروس خلية ما يتم توليد آلاف الفيروسات الجديدة عن طريق نسخ جينوم الفيروس والبروتينات الخاصة بتكوينه في الخلية.

ومن الممكن أن يترتب على ذلك نتائج عدة:

أن تختلط آلاف النسخ من جينوم الفيروس المختلفة : لنقل جينوم ( أ ) و ( ب ) ليكوّنا فيروساً جديداً ذا جينوم جديد يحتوي على ( أ ) و ( ب ) معاً، وفي حقيقة الأمر يمكن لهذه العملية على هذا النحو أن تولد 256 فيروساً جديداً محتملاً.

ليس فقط جينومات الفيروسات المُنتجة هي التي تتجمع بشكل عشوائي في الفيروس المهجن الجديد، بل أيضاً البروتين المرشد مكوناً أنواعاً جديدة من الفيروسات.

ولتوضيح ما نعنيه بالبروتين المرشد نقول : الفيروس مكون من جينوم مغلف بغلاف بروتيني، يقوم الفيروس بإصابة خلية معينة في الجسد عن طريق هذا البروتين الذي يرشده إلى الخلية التي يتعين إصابتها.

وما يزيد الأمور تعقيداً هو الآتي : أن البروتين الذي يقوم بقراءة الجينوم الخاص بفيروس كورونا لا يقوم بقراءة الجينوم قراءةً كاملةً، ففي أثناء قراءته لجينوم ما، ينفصل هذا الجينوم قبل أن يقرأ بشكل كامل، وليقرأ جينوم آخر... وهكذا، فبالتالي تزيد احتمالية تكوين فيروسات جديدة بشكل كبير.

وبما أن قارئ الجينوم لا يقوم بقراءة الجينوم بشكل دقيق فمن المحتمل تكوين بروتينات فيروسية مختلفة عن الفيروس الأصلي.

ومن هنا نجد أنّ نسبة تطور الفيروس وتوليده لأنواع جديدة تتكيف مع أوساط مختلفة وحيوانات مختلفة هي نسبة عالية جداً، ولكن هذه التغيرات أو الطفرات يمكن أن تكون مضرة بالفايروس نفسه، وذلك لأنها يمكن أن تدمر بروتيناً مهماً في الفيروس نفسه.

ومن هنا نجد أنه تحت الذي تقوم به مناعة الجسد، تموت الأنواع الضعيفة من الفيروس وتبقى الأنواع الأقوى، تماماً كما هي الحال في نظرية التطور لداروين، ومن الواضح هنا أنّ الفيروس تطور في جسد الجِمال لمدة تزيد عن العقدين حتى استطاع بطريقة ما أن ينتقل إلى الإنسان.

ويبدو أن عادة البدو في شرب لبن الجِمال دون تعقيمه أدت إلى انتشار هذا المرض، كما هي الحال في بعض مناطق الصين التي تأكل الكلاب والوطاويط.


ماهي خصائص جينوم الكورونا، وكيف يسبب المرض؟

  1. فيروس كورونا مخادع جداً، إذ يظهر أعراضاً في البداية تشبه إلى حد كبير أعراض الإنفلونزا الموسمية، كونه قد اختلط سابقاً بجينوم فيروس الإنفلونزا.
  2. جينوم فيروس كورونا ضخم جداً مقارنة بسائر الفيروسات، وذلك لأنه تطور عبر آلاف السنين.
  3. يعتبر كفيروس متلون، إذ بإمكان جينوم هذا الفيروس أن يختلط بجينوم الجسد المصاب ليصبح جزءاً منه يتطور داخله ولمدى طويل جيلاً بعد جيل دون ابداء أي أعراض حتى يحين الوقت ويخرج فيه مرة أخرى مكتسباً بعض الصفات من جينوم الجسد الذي سكن فيه.
  4. ومن هذه الخاصية الأخيرة، فمن الممكن للفيروس أن يصيب الخلايا التناسلية ويسكن فيها، وبالتالي ينتقل إلى النسل.

والجدير بالذكر هنا أن من 8 إلى 10 في المائة من الجينوم البشري عبارة عن جينوم فايروسات، وقد أصبح الكثير منها غير مضر، وبهذا يمكن أن نفسر كم الجينات التي لا نعرف لها وظيفة في الجسم البشري، بل يمكن أن يغير نظرية تكوين الكائنات الأولى برمتها، ويذهب بعض العلماء إلى أنّ هذه الظاهرة ربما تكون سبباً من أسباب مرض السرطان.


كيف يسبب الفيروس المرض؟

يصيب فيروس كورونا بشكل خاص الخلايا الطلائية Epithelial Cells ( وهي مجموعة من الخلايا تتحد معاً لتغطي أجزاء ومكونات الجسم ) للشعب الهوائية Respiratory tract في الرئة وللوحدات الأنبوبية الكلوية Renal tubule بالإضافة إلى الحبل السري في بعض الحيوانات مثل الجمل.

ويصيب الفيروس هذه الخلايا لأنّ الفيروس به بروتين مرشد ( الذي سبق ذكره ) يتصل بمستقبل DPP4 بهذه الخلايا ويدمرها.

ففي الشعب الهوائية، وهي عبارة عن أكياس يدخل فيها الهواء الممتلئ بالأكسجين، يستخلص الدم الأكسجين من هذا الهواء ويترك فيه ثاني أكسيد الكربون ليخرج مع الزفير، ومع إصابة الفيروس لهذه الخلايا يتم تحفيز المناعة، ومن ثمّ يتكون داخل الشعب الهوائية سائل من الفيروس والخلايا المناعية المقاومة والمواد الكيميائية، وبالتالي لا يستطيع الهواء الدخول بشكل كامل إلى هذه الشعب الهوائية وتفشل عملية التنفس.

أما عن اقتحام الفيروس للكلى، فهو يدمرها تماماً في غضون أيام معدودة.

ومن مضاعفات المرض ضعف الجسد وقابليته للإصابة بفيروسات وبكتيريا أخرى.


تكوين جينوم كورونا

إنّ ثلثي جينوم كورونا ( المتلازمة الشرق أوسطية التنفسية ) هما عبارة عن شفرة لبروتينات مغايرة للبروتينات التكونية للفيروس، ومنها على سبيل المثال البروتين الذي يقرأ الجينوم RNA Dependant RNA Polymerase. أما الثلث الباقي من الجينوم فهو عبارة عن شفرة لبروتينات مكونة للفيروس، ومنها على سبيل المثال البروتين المرشد ( الذي سبق ذكره سالفاً Spike Protein S ). فعند تكوين هذا البروتين، يتم تقسيمه إلى جزئين : S1 و S2. بروتين S1 هو المسؤول عن الإتصال بالبروتين المستقبل له DDP4 في الخلايا الطلائية. أما البروتين S2 فهو المسؤول عن الإتصال بالخلية التي يهاجمها الفيروس، بحيث يدخل الفيروس إلى داخلها ويتلفها.

ومن هنا نجد أن هذين البروتينين هما المستهدفان من قبل بعض الأدوية التي اكتشفت لعلاج فايروس ( المتلازمة الشرق أوسطية التنفسية ).

يمكننا الآن توضيح خطوات هجوم الفيروس بالضبط على الخلية الطلائية في الشعب الهوائية والوحدات الأنبوبية الكلوية في مايلي:

  1. يتصل البروتين الفيروسي S1 بالخلية الطلائية.
  2. يتصل البروتين الفيروسي S2 بالمستقبل الخلوي لكي يفتح مدخلاً للفيروس داخل الخلية.
  3. يدخل الفيروس الخلية ويتخلص من غلافه.
  4. يقوم قارئ الجينوم الخلوي Ribosome بقراءة جزء من الجينوم الفيروسي الذي يحتوي على البروتينات المغايرة للبروتينات التكونية للفيروس.
  5. يقوم قارئ الجينوم الفيروسي RNA Dependent RNA Polymerase المكون من العملية السابقة بقراءة الجينوم الفيروسي.
  6. يقرأ قارئ الجينوم الفيروسي جزءاً من الجينوم ( أ )، ثمّ يتحول قبل إكمال قرائته إلى قراءة جينوم آخر ( ب ).
  7. تتكون البروتينات التكونية للفيروس.
  8. تخرج ملايين الفيروسات من الخلية مدمرةً إياها لتهاجم خلية أخرى.


سبل العلاج

لقد استغل العلماء سابقاً معرفتهم بطريقة علاج فيروس كورونا ( السارس ) لعلاج فيروس كورونا ( المتلازمة التنفسية الشرق أوسطية )، ومن المعروف أنّ من ضمن الأدوية الشائعة الإستخدام في علاج الفيروسات هو دواء الإنترفرون Interferon، ولكن مع التطور الذي حصل له سابقاً لم يعد الجهاز المناعي للجسد يفرز مادة الإنترفرون لمقاومة هذا الفيروس، ولكن في النهاية أستطاع العلماء اكتشاف جسم مضاد ( في معهد السرطان دنا فربر التابع لجامعة هارفرد بمعاونة علماء من جامعة North California، وبدعم مالي من وزارة الدفاع الأمريكية ) يقضي على فاعلية الفيروس وهو 3B11.

كما قام الباحثون الصينيون بدعم مالي من وزارة الصحة الصينية بابتكار اثنين من الأجساد المضادة يعملان معاً MERS-4 و MERS-27 للقضاء على فايروس كورونا ( المتلازمة الشرق أوسطية التنفسية ).

ولكن العلماء لايزالون حتى الآن وبعد مرور 11 شهراً على ظهور الموجة الثالثة لفيروس كورونا ( كوفيد-19 ) COVID-19 عام 2020 في البحث عن علاج له رغم تقدم العلم و استطاعتهم في السابق علاج الموجتين السابقتين.

ولكن هنالك مطاعيم قد تم طرحها لعلاج فيروس كوفيد-19 ولكنها لم تصل إلى جميع أنحاء العالم، ومع ذلك مازال هنالك الآلاف من البشر يموتون يومياً بسبب هذا المرض في يومنا هذا.

ويبدو أن الإكتشاف المبكر لفيروس كورونا ( كوفيد-19 COVID-19 ) أمر ضروري لمنع انتشاره، كما أن ارتداء الكمامات الواقية هو أمر اساسي لمنع انتشاره وتقليل العدوى من هذا الفايروس المميت.


وفي نهاية الأمر، هل سوف تكون نهاية العالم على يد فايروس كورونا القاتل؟ أم ستكون نهاية فيروس كورونا على يد العالم؟ 

فإذا كان العالم قد استطاع القضاء عليه في كل من عامي 2003 و 2013، فإنه قد عاود الظهور في عام 2020 بوجه جديد وأكثر شراسة.

ولكن مع كل هذا التطور الذي حصل لفيروس كورونا منذ الاف السنين هل يمكن أن ينتهي هكذا دون صراع مع العلم والعلماء، هذا ما سوف تثبته لنا التجارب والأبحاث القائمة حالياً للقضاء على هذا المرض.

التصنيف؛

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

Top Post Ad

Below Post Ad