القائمة الرئيسية

الصفحات

الكل شريف حتى تأتي العاهرة .. بقلم رولا عبيد

الكل شريف حتى تأتي العاهرة


الكل شريف حتى تأتي العاهرة

بقلم : رولا عبيد

الكل شريف حتى تأتي العاهرة .. 

حتما أغلبنا يعلم ذلك المثل الشهير وإن كان يتحور في بعض الاحيان لأمثال أخرى إلا أن ذلك المعنى يستوطن في عقول الكثير وأكاد أجزم أنه لم يرتقِ بعد لدرجة عالية من الفهم والإدراك!.


في قصة (الخوف) التي تتوسط المجموعة القصصية  (بيت سئ السمعة) للأديب العالمي (نجيب محفوظ):

يسرد لنا نجيب محفوظ عن عطفة الفرغانة القابعة بين حي دعبس من جهة وحي الحلوجي من جهة أخرى..

وكانت الحروب بينهما _والتي يزعمها فتوة حي دعبس وفتوة حي الحلوجي _سطرت نفسها في تاريخ الملاحمات والدم.. ولسوء الموقع الجغرافي لعطفة الفرغانة كانت يد الدم لا تطال إلا منعطفاتها بل أنها كانت غنيمة باردة لمنازعاتهم...

وبعد محاولات سلام كثيرة باءت بالفشل نجحت واحدة أخيرا بأن تسوي بينهما بعض المنازعات دون أن يقلع أحد الطرفين عن ضغينته للطرف الآخر...

لكن كالعادة لسوء حظ عطفة الفرغانة ظهرت مليحتنا (الشابة نعيمة) التي جعلت ريما تعود لعادتها القديمة..ونشبت مرة أخرى الملاحمات بين الحيين بعد أن أعجب بها فتوة دعبس وفتوة الحلوجي في نفس الوقت..

وهنا يظهر بطلنا (الضابط عثمان) والذي يرتدي في قصتنا عباءة المنقذ المخلص واهب السلام والرحمة لعطفة الفرغانة والذي يتحدى الفتوتين معا وينتصر عليهما ليقضي في الآخر على مصطلح (الفتونة) ويبدأ عهد ال(الحكمدارية).

لكن في آخر المطاف يظهر لنا الضابط عثمان كفتوة آخر ليس بقوة عضلاته ولا بإسالته لدماء أهل الفرغانة مرة أخرى ..بل بسوء اخلاقه الذي جعله يستبيح شرف العجوز العليل (عم الليثي) والد المليحة(نعيمة).. 

وفي النهاية تمتلأ أفواه أهل عطفة الفرغانة بكل كلمات الحنق والغضب والضيق وتعود العطفة تعاني من الظلم واللاعدل.


هل جميعنا يكون كعطفة الفرغانة فيزج له القدر دائما فتوة ظالم يطيح بمأمنه وسلامه أرضًا؟

من منا لم يكن كالضابط عثمان في مرحلة من مراحل حياته وعاد كعطفة الفرغانة يعاني ظلم أحدهم؟!..

من السذاجة أن نتعاطف دائما مع عطفة الفرغانة.. ومن الصبيانية أن نلعن بقوة الضابط عثمان وكأننا نشاهد فيلما عربيا قديما يصدر لنا ويرسخ فينا فكرة إنتصار الخير المجرد دائما  على الشر المجرد ..ضاربا بالمناطق الرمادية _والتي تمثل إنسانيتنا_ عرض الحائط.

ليت الحياة كانت ببساطة ذلك الصراع الذي يظهر لنا في سينمات بلادنا حيث بطل الخير ينتصر على عصابات الشر واللارحمة في آخر الفيلم..

جميعنا يمثل عطفة الفرغانة حين يضعه قدره في المنطقة البيضاء حيث لا تُختبر مبادئه.. حيث لا يُنتظر منه أن يكون غير الطرف الأنقى والأضعف..

وجميعنا أيضا يتقمص دور فتوة الحلوجي أو دعبس إذا أجبره نصيبه أن يكون الطرف الأسوأ والأظلم.

أما الضابط عثمان فهو الأكثر إقناعا - على الاقل بالنسبة لي - حيث أوجده نجيب محفوظ في رائعته بصدد تمثيل إنسانيتنا التي تدفع بنا لأن نخلص العطفة من الظلم حينًا وبدافع أعم من النفاق نهتك حرمتها ونكون ظالما آخر لها حينًا آخر..

ليس من الضروري أن نبرر للضابط عثمان فعلته..بل حتما يجب أن نتقبل كونه إنسانا يصارع خيره شره..وليس من المسلّم به أنه وحين ينتصر جانبه السئ يكون سيئا بالفطرة!!..

ربما فقط لأنه حين جاءت العاهرة لم تستطع أخلاقه ومبادئه أن تنتصر ليكون شريفًا!!

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
إظهار التعليقات